فخر الدين الرازي

105

تفسير الرازي

هذا البيت الذي ) * إشارة إلى أول سورة الفيل ، كأنه قال : فليعبدوا رب هذا البيت ، الذي قصده أصحاب الفيل ، ثم إن رب البيت دفعهم عن مقصودهم لأجل إيلافكم ونفعكم لأن الأمر بالعبادة إنما يحسن مرتباً على إيصال المنفعة ، فهذا يدل على تعلق أول هذه السورة بالسورة المتقدمة . القول الثاني : وهو أن اللام في : * ( لإيلاف ) * متعلقة بقوله : * ( فليعبدوا ) * وهو قول الخليل وسيبويه والتقدير : فليعبدوا رب هذا البيت ، لإيلاف قريش . أي ليجعلوا عبادتهم شكراً لهذه النعمة واعترافاً بها ، فإن قيل : فلم دخلت الفاء في قوله : * ( فليعبدوا ) * ؟ قلنا : لما في الكلام من معنى الشرط ، وذلك لأن نعم الله عليهم لا تحصى ، فكأنه قيل : إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبده لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة . القول الثالث : أن تكون هذه اللام غير متعلقة ، لا بما قبلها ولا بما بعدها ، قال الزجاج : قال قوم : هذه اللام لام التعجب ، كأن المعنى : اعجبوا لإيلاف قريش ، وذلك لأنهم كل يوم يزدادون غياً وجهلاً وانغماساً في عبادة الأوثان ، والله تعالى يؤلف شملهم ويدفع الآفات عنهم ، وينظم أسباب معايشهم ، وذلك لا شك أنه في غاية التعجب من عظيم حلم الله وكرمه ، ونظيره في اللغة قولك لزيد وما صنعنا به . ولزيد وكرامتنا إياه . وهذا اختيار الكسائي والأخفش والفراء . المسألة الثانية : ذكروا في الإيلاف ثلاثة أوجه أحدها : أن الإيلاف هو الإلف قال علماء اللغة : ألفت الشيء وألفته إلفاً وإلافاً وإيلافاً بمعنى واحد ، أي لزمته فيكون المعنى لإلف قريش هاتين الرحلتين فتتصلا ولا تنقطعا ، وقرأ أبو جعفر : لإلف قريش . وقرأ الآخرون لإلاف قريش ، وقرأ عكرمة ليلاف قريش وثانيها : أن يكون هذا من قولك : لزمت موضع كذا وألزمنيه الله ، كذا تقول : ألفت كذا ، وألفنيه الله ويكون المعنى إثبات الألفة بالتدبير الذي فيه لطف ألف بنفسه إلفاً وآلفه غيره إيلافاً ، والمعنى أن هذه الألفة إنما حصلت في قريش بتدبير الله وهو كقوله : * ( ولكن الله ألف بينهم ) * وقال : * ( وألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ) * وقد تكون المسرة سبباً للمؤانسة والاتفاق ، كما وقعت عند انهزام أصحاب الفيل لقريش ، فيكون المصدر ههنا مضافاً إلى المفعول ، ويكون المعنى لأجل أن يجعل الله قريشاً ملازمين لرحلتيهم وثالثها : أن يكون الإيلاف هو التهيئة والتجهيز وهو قول الفراء وابن الأعرابي : فيكون المصدر على هذا القول مضافاً إلى الفاعل ، والمعنى لتجهيز قريش رحلتيها حتى تتصلا ولا تنقطعا ، وقرأ أبو جعفر ليلاف بغير همز فحذف همزة الإفعال حذفاً كلياً وهو كمذهبه في يستهزءون وقد مر تقريره . المسألة الثالثة : التكرير في قوله : * ( لإيلاف قريش إيلافهم ) * هو أنه أطلق الإيلاف أولاً ثم جعل المقيد بدلاً لذلك المطلق تفخيماً لأمر الإيلاف وتذكيراً لعظيم المنة فيه ، والأقرب أن يكون قوله : * ( لإيلاف قريش ) * عاماً بجمع كل مؤانسة وموافقة كان بينهم ، فيدخل فيه مقامهم